لطالما اعتبر الشعر عالماً مقدساً، عالماً لم يكن مؤهلاً له تماماً أو مستعداً لدخوله. لكن في الحقيقة، كان جزءاً منه بالفعل. ومنه انبثق الشعر على درب مختلف، درب فريد من نوعه. في هذه اللحظة، أتذكر قولاً مأثوراً: " لا أحد يسمع هدير الزهور قبل أن تتفتح من أغصانها ". عاش ثوان هوو على هذا النحو، وولدت قصائده على هذا النحو: طبيعية وبسيطة.
عند قراءة قصائده، أتخيل دائمًا شخصًا يمشي على رمال حارقة، يخوض غمار المطر والريح، يمر بكل أفراح الحياة وأحزانها. وبينما يمشي، يتحدث عن مساره، عن العالم الذي يعيش فيه، وصوت ذلك الشخص هو شعره، يولد ببساطة هكذا.
قريتي
مدعومة بسلسلة الجبال
عيون تحدق مباشرة نحو البحر المفتوح.
أنا ابن منطقة جبلية.
لكنهم أيضاً أبناء البحر.
حب الوطن متأصل في كيان الإنسان.
نشأت وسط أشعة الشمس والرياح والجبال وأمواج المحيط.
قرأتُ هذه الأبيات مراتٍ عديدة. لا شيء فيها مُعقّد، ولا شيء غير مألوف، ولا أساليب بلاغية، ولا شيء غريب عليّ أو على كثيرين غيري. كل شيء بسيط. وأدركتُ: إنها إعلانٌ من شخص. وُلِدَ هذا الشخص ونشأ على تلك الأرض، مُؤكّدًا على وطنه ومُعلنًا عن أصوله وغايته في الحياة: "حب الوطن مُتأصّل في دمي ولحمي / نشأتُ في شمس الجبال ورياحها وأمواج المحيط". عبارة "نشأتُ في شمس الجبال ورياحها وأمواج المحيط" جميلة، مُؤثّرة، مُحفّزة، ومفعمة بالفخر أيضًا. لم يكتب ثوان هوو الشعر بوعي كشاعر. ربما يكون عدد قصائده أكثر من عدد قصائدي. لكن على عكسي، كتب في صمت، كأنه يروي قصائده في ظلمات الزمن.
من خلال ما كتبه، والذي يتجلى بوضوح في كتاباته، أرى روحه كجرس. هذا الجرس يجوب الحياة، يلامس كل شيء فيها (فرحًا كان أم حزنًا)، ويرنّ في الوقت نفسه. هذا هو الجانب الأهم والأكثر حيوية في شعره. اخترتُ صورة الجرس وصوته الرنان لأصف جوهر شعر ثوان هو. لأنه عندما يكتب عن الحزن والألم والشك والظلام، وأي شيء آخر، فإن الجمال وحب الإنسانية ونور الأمل وفخر الوجود الإنساني، كلها تتجاوز كل شيء لتتردد أصداؤها في الأذهان.
أكثر من عشرين عاماً من التجارب الحلوة والمرة.
نحن مثل نهر هان، نخفي كل شيء في قلوبنا.
وسط تقلبات الحياة، لا يزال النهر يتدفق.
لا تزال مدينة دا نانغ تحتفظ برائحة القبلة الأولى الساحرة.
كان الشعر جوهر كيانه. كان بإمكانه إخفاء أحزانه ومعاناته عن زملائه وأصدقائه وعائلته. لكنه لم يستطع إخفاء حقيقته في أصداء شعره الرنانة.
لقد عجز عن الكلام عندما رأى الزهرة البرية.
حتى وسط المناظر الطبيعية القاحلة، لا يزال اللون الأرجواني يثير شعوراً مؤثراً...
كل أرضٍ حلّ بها لامست روحه بأفراحها وأحزانها. ومن تلك الأراضي وُلدت قصائده. كانت تعبيرات عن الحب والتجربة والتأمل واكتشاف الإنسانية ومعنى الحياة، ومنها انبثقت أحلامٌ جميلة.
الاستلقاء مستيقظاً في وقت متأخر من الليل وأنا أستمع إلى صفير القطار.
لقد جعلته الرغبة الشديدة يلهث.
متى سترفع المرساة وتبحر مثل تلك السفينة؟
في أي اتجاه تتحطم أمواج المحيط الشاسع؟
لا شيء أبسط من أبيات كهذه. كأنه استيقظ أمام البحر وتحدث إليه وحده. تُثبت هذه الأبيات أنه لم يستخدم أي تقنيات أو أساليب بلاغية في شعره. ترك الحياة تزرع بذورها في تربة كيانه، لتنبت وتنمو وتزهر وتثمر في روحه. "متى ستبحر مثل تلك السفينة؟ / إلى المحيط الشاسع، أين ستتحطم الأمواج؟" رنانة، مؤثرة، وفيرة بالطموح. شيء عظيم، فخور، وبعيد المدى ينبعث من هذين السطرين. وأنا أقرأهما، استيقظت في الليل؛ أردت أن أبحر مثل تلك السفينة، أردت أن أتغلب على أمواج الحياة، أردت أن أغني بصوت عالٍ في وجه كل تحدٍ...
للناس أصدقاء ولهم الله.
أما أنا، فأنا وحيد تماماً.
وحيداً، بلا الله، بلا رفيق.
أن تكون غريباً في هذا العالم...
لولا قراءة قصائد كهذه، لما استطعتُ فهم شخصية ثوان هو حقًا. كُتبت معظم قصائده في وقتٍ كان فيه الناس عادةً ما يخفون مشاعرهم وأفكارهم ووجهات نظرهم الصادقة. ربما دفعته إرادته إلى التكتم، لكن روحه كانت قد حلّقت بالفعل نحو الحرية. سمعتُ رفرفة روحه. فالشعر هو أصدق سجلٍّ لروح كاتبه وعقليته.
في هذا العالم الفسيح، المحاط بالضجيج والأضواء المبهرة، كان لا يزال يدرك وحدة المنفي في عالمه الصامت. هذه هي "صفته الإنسانية" و"صفته الشعرية" في آنٍ واحد. وهذا ما يجعل القراء، أو على الأقل أنا شخصيًا، يثقون بقصائده. وهذا ما يمنح قصائده "قوتها"، قوة الصدق والبساطة.
انتهى الشتاء.
أغصان الشجرة تتغير أوراقها.
الطائر القادم من أرض أجنبية
العودة جواً إلى الحديقة المألوفة.
أرغب في الانغماس في تلك الحديقة في يوم شتوي. فقط من خلال الانغماس الحقيقي في ذلك المكان، في ذلك الزمان، أستطيع أن أدرك عظمة القصائد، والمشاعر التي تتصاعد وتتردد أصداؤها في روح الشاعر، أو بتعبير أدق، المشاعر التي تتصاعد وتتردد أصداؤها في هذه الحياة. لا نجد أي شذوذ، ولا أي خلل، ولا أي "مبالغة عاطفية" في تلك الأبيات. نرى فقط روعة الطبيعة التي تجلّت من خلال فهم الشاعر العميق، وإصغائه، وإدراكه الدقيق والعميق. في ذلك المشهد، كدتُ أبكي. لقد تلقيتُ هبةً من الله، مُنحتُ الحياة، شُفيتُ من الانكسار الذي بداخلي، أدركتُ خطواتي الضالة على دروب الحياة، استعدتُ ما نسيته، ما فقدته. أحياَت الطيور الغريبة العائدة إلى الحديقة المألوفة أشياءً كثيرةً في داخلي. انغمس في حديقة في يوم شتوي، وأنصت إلى رفرفة أجنحة الطيور العائدة. ستشعر بشعور عظيم، وإن كان غامضاً، يغمر روحك.
لا يقتصر الشعر على منحنا صورًا وكلمات جديدة فحسب، بل والأهم من ذلك، أنه يجعلنا ندرك مشاعر جديدة، ووجهات نظر جديدة، ومعانٍ جديدة مما نعتبره مفقودًا أو متلاشيًا أو ميتًا. أبيات ثوان هو التي أقتبسها هي من هذا القبيل. ومن الأمور الواضحة والعميقة في شعر ثوان هو: أنه وجد وشعر وصرخ كطفل أمام عظمة الحياة وجاذبيتها الآسرة.
بدونك، تصبح المدينة حزينة.
أمي لا تتوقف عن ذكر مدى شعورها بالفراغ في المنزل.
تبعت زوجي إلى مكان بعيد.
اترك أحزانك وراءك مع تاي سون.
لا يزال الأمر على حاله. ما زال ثوان هوو لا يملك أي "خطة" مسبقة لأشعاره ومقاطعه وقصائده من هذا النوع. هو ببساطة يمضي قدمًا، ويعيش، ويتأمل في الحياة، حياة يعيشها ويشهدها في آنٍ واحد. لقد أثارت قراءة شعره في نفسي هذه الفكرة. أعتقد أن تلك البلدة ما كانت لتبدو مألوفة، ومؤثرة، ومعذبة إلى هذا الحد لو كُتبت بطريقة مختلفة. غالبًا ما تُخاطر الصراحة باختفاء الشعر، لكنها قادرة أيضًا على بلوغ أعماق ما نريد التعبير عنه. وقد تجلّت لي تلك البلدة. تجلّت لدرجة أنني استطعت رؤية كل نسمة هواء تهب بين البيوت، ورؤية ظل فتاة تجفف ملابسها، وتجفف شعرها، ثم تختفي كما لو كانت تتلاشى. تُعيد القصيدة المذكورة أعلاه خلق مكان وزمان قد اختفيا أو تغيّرا. إذا ركزنا فقط على "فرادة" الصورة، واللغة، والبنية... فلن نُدرك أن القصيدة قد أعادت الحياة إلى تلك البلدة. لكن إذا انغمسنا في الأجواء التي تستحضرها القصائد، فسنجد أنفسنا نعيش في تلك المدينة الحقيقية، لا في حلم. هذه سمة مميزة للغاية لشعر ثوان هو. بل هي أكثر من مجرد سمة، إنها روح شعره. وبشكل أدق، إنها شخصية ثوان هو، جوهر ثوان هو.
حول قصة شجرة صنوبر
مررت من هنا العام الماضي.
أشعر بالأسف تجاه شجرة الصنوبر الوحيدة على قمة الجبل.
أقف وحيداً، أستمع إلى هبوب الرياح طوال العام.
سأعود إلى هنا مرة أخرى هذا العام.
النظر إلى أعلى نحو قمة الجبل
لقد اختفت شجرة الصنوبر.
لقد تآكلت قمة الجبل بفعل الأمطار في الماضي، مما أدى إلى تشكيل خندق.
ماتت شجرة الصنوبر كما لو كانت نبوءة.
لا يمكن للمرء أن يقف مكتوف الأيدي في مواجهة أمطار الجبال والرياح العاتية.
لقد سافرت عبر العديد من قرى الخيزران.
أسمع همس البحر من خلال غابات الصنوبر.
عبر تلال متدحرجة من أشجار الصنوبر الخضراء المورقة تمتد إلى ما لا نهاية.
الطبيعة من حولي تذكرني دائماً بـ...
الأشجار، مثل البشر، يجب أن تتعلم الاعتماد على بعضها البعض...
أدركتُ خلال رحلة ثوان هو الشعرية أن جمال الحياة ورسالتها كامنان دائمًا من حولنا. في صغري، قرأتُ مقولةً للشاعر الأمريكي العظيم والت ويتمان عن الشعر: "الشعر بين يديك، انحنِ والتقطه ". لم أفهم هذه المقولة، بل شككتُ فيها. ظننتُ أن الشعر لا بد أن يأتي من عالم آخر، من مكان مقدس آخر. لكن الحياة والشعر جعلاني أُدرك الحقيقة الإبداعية الكامنة في تلك المقولة. غابات الخيزران، وأشجار الحور، وتلال الصنوبر في أرضنا تُرسل إلينا رسائل عميقة وعظيمة كل يوم، لكن ليس كل شخص قادرًا على فهم مضمون تلك الرسائل.
تُعدّ العديد من قصائد ثوان هو استكشافاتٍ للطبيعة والإنسانية، ينقل من خلالها رسائلَ عن الحياة. فالشعر لا يأتي من كوكبٍ بعيدٍ في هذا الكون الفسيح، بل ينبع من كل مكان، من كل حياةٍ عشناها. ينتظر الشعر أصحاب القلوب المُحبة، والرؤية الثاقبة، والتطلعات الجميلة، ليتقدموا، فيُلهمهم بالكلمات والأفكار، ويُحوّل تلك الأشياء البسيطة إلى شعر، ويُحولهم إلى شعراء. ثوان هو أحد هؤلاء. ولي الحق في أن أُطلق عليه لقب شاعر، رغم أنه يُحاول دائمًا إنكار ذلك، بل ويهرب منه أحيانًا. قد يهرب ثوان هو مما يُسمى شعرًا، لكنه لا يستطيع الهروب من الحياة، ففي كل حياة، حتى أحلكها وأكثرها مأساوية، يكمن الشعر.
في آخر عصر من السنة، الفتاة ذات الشعر الأبيض...
أجلس بصمت بجانب قبر أمي الأخضر.
سطران فقط من الصور الحية عن الأم، يعبّران عن الوحدة العميقة التي يعاني منها طفل فقد أمه. يتحدثان عن الوحدة دون استخدام أي صفات لوصفها. بياض شعر الطفل في ذلك المكان، في ذلك الوقت، يجعلني أشعر بالوحدة القاتلة التي تسكن قلب الطفل المسمى ثوان هو. كتبتُ ذات مرة عن عصر مشابه أمام قبر أمي بكلمات وصور بالغة التعقيد والدقة، لكنها عجزت عن التعبير عن حقيقة وحدتي بعد فقدانها. وعندما قرأت قصائد ثوان هو عن أمه الراحلة، شعرتُ أنه لا بد لي في وقت ما أن أكتب قصائد عن أمي.
يُجسّد هذان البيتان الشعريان وحدة الابن إلى أقصى حد. لقد اندمجت الأم مع العشب الأخضر، مع الأرض الممتدة بلا نهاية. يُوحي الشيب على رأس الابن بالوحشة والحزن والفراغ المُوحش لطفل فقد أمه. إنها طريقة تعبير مُختصرة، مليئة بالألم الصامت. لو سمعنا صرخات الابن المُفجعة أمام قبر أمه، لما شعرنا إلا بالحزن والشفقة، لكننا لن نُدرك تمامًا ألمه ووحدته. ولكن مع هذين البيتين الشعريين البسيطين، تتجلى الحقيقة كاملة.
يوم واحد
وسط المد المتصاعد
كانت القواقع ميتة، وقد ذبلت أمعاؤها وجفت أكبادها.
وتحولت إلى شواهد قبور.
رافضةً أن تُدفن في الرمال، تتباهى بنفسها على حافة الشاطئ.
تحتوي الأصداف البحرية على صوت بداخلها.
يصدح نسيم المحيط في الفصول الأربعة جميعها.
قصص الفرح والحزن في قاع البحر العميق.
تُروى القصة من خلال أصوات ساحرة...
لقد ولّى زمن الطفولة، وقد مضيت قدماً.
عندما رأيت الحلزونات والمحار، فهمت الأمر فجأة.
الألم مخفي داخل الحجر المزين بالزهور.
المقطع الطويل الذي اقتبسته أعلاه مأخوذ من قصيدة "أصداف البحر". لقد شعرتُ حقًا بحزنٍ عميقٍ بعد قراءة هذه القصيدة. إنها دليلٌ إضافي على وجهة نظري تجاه شعر ثوان هو. من منا رأى مثل هذه الأصداف على شواطئ المحيط الرملية؟ كثيرون رأوها. بالطبع، أنا واحدٌ منهم. وقد التقطتُ تلك الأصداف مراتٍ عديدةً وألقيتُ بها بعيدًا. لم أسمع منها شيئًا. كنتُ أراها مجرد أصداف - جثث هامدة. لا شيء أكثر من ذلك. إحدى الصفات الأساسية في الإبداع هي اكتشاف الجمال، فكرةٌ من كل شيء. كان ثوان هو يمتلك هذه الصفة الأساسية. لا شيء يخلو من شيءٍ من هذه الحياة؛ شجرةٌ في عاصفة، برعمٌ ينبت على غصنٍ داكن، عش طائرٍ يبقى في مكانٍ ما بين أغصان الأشجار، قطرة مطرٍ تلتصق بزجاج النافذة في الصباح، مصباح زيتٍ في جوف الليل، طريقٌ وحيدٌ يمتد عبر الحقول عند غروب الشمس، مشطٌ قديمٌ تركته أمي في عتمة المنزل...
إذا مررنا بها بلا مبالاة، يصبح كل شيء غريبًا وبلا معنى، حتى الكرسي المذهب، أو القصر، أو حتى الشخص العظيم. لكن إذا اقتربنا منها بحب وعاطفة وفكر، تبدأ كل تلك الأشياء بالاستيقاظ وإخبارنا عن زمانها وتاريخها. لا تحمل تلك الأصداف أي قصص عن البحر؛ بل تحملها روح الشاعر نفسه. "عندما التقيت بالحلزونات والأصداف، فهمت فجأة / الآلام الكامنة داخل الصخور المزينة بالزهور." يضيء السطران الأخيران من القصيدة فجأة. لديهما القدرة على إنارة "أعماق المحيط" للقدر. ومن هناك، يسمحان لي برؤية عجائب الحياة، حتى من أصغر الأشياء وأكثرها تافهة ظاهريًا. هكذا هي القصيدة. للانتقال من تلك الأصداف (الجثث) إلى شواطئ الجمال والشعر، يستغرق الأمر فترة من الزمن، أحيانًا عمرًا كاملًا، مليئًا بالفرح والحزن، والربح والخسارة، والأبيض والأسود، واليأس والأمل.
تُعدّ قصيدة "أصداف البحر" مثالًا بارزًا على أسلوب ثوان هوو الكتابي. تُصوّر الأبيات السابقة والمقاطع الختامية واقع الحياة، بينما تُعبّر الأبيات والمقاطع الأخيرة عن تلك الحياة، كزهرةٍ تنبثق من لحاءٍ خشنٍ مُعقّدٍ داكنٍ في الشتاء. وهذا هو جوهر الفن عمومًا، والشعر خصوصًا.
ها دونغ، الأيام الباردة في أوائل عام 2025.
الشاعر نغوين كوانغ ثيو
المصدر: https://www.congluan.vn/trong-nhung-tieng-ngan-vang-cuoc-doi-post341224.html






تعليق (0)