زار السائح الأسترالي إيان لويد نويباور قطاع غزة في مايو/أيار، وعاش تجربة لا تُنسى أثناء تجوله في بيت لحم، المدينة الواقعة في منطقة الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية، على بُعد 10 كيلومترات من القدس. وقال إيان: "كنتُ من بين السياح القلائل الذين زاروا هذا المكان بعد سبعة أشهر من القتال في قطاع غزة".
تُعتبر بيت لحم، مسقط رأس السيد المسيح والملك داود، موقعًا هامًا للحج لدى المسيحيين واليهود والمسلمين. قبل هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت المدينة تُعدّ وجهة سياحية رئيسية أو "جوهرة التاج" في صناعة السياحة الفلسطينية، التي تبلغ قيمتها مليار دولار.
كتبت شركة السياحة المحلية "توريست إسرائيل" على موقعها الإلكتروني: "سواء كنت مهتمًا بالتاريخ أو الدين أو الثقافة، فإن المدينة بالتأكيد مكان رائع للزيارة". لكن عندما تواصل إيان معهم لحجز جولة إلى بيت لحم، قال ممثل الشركة إن "الجولات قد أُلغيت" بسبب القتال.
بعد تعذّر حجز جولة سياحية، توجّه إيان إلى مركز المعلومات السياحية في يافا، تل أبيب، بحثًا عن فرص. هناك، التقى بإسرائيلي كان يُرشد السياح إلى بيت لحم قبل اندلاع القتال. أرشده هذا الرجل إلى القدس، ومن هناك يُمكنه ركوب حافلة إلى بيت لحم.
انطلقت الحافلة التي تقل إيان وركابًا آخرين من باب دمشق، وهو أكبر الأبواب الثمانية المؤدية إلى البلدة القديمة في القدس، وتوقفت عند وصولها إلى بيت لحم. صعد ضابط من شرطة الحدود الإسرائيلية إلى الحافلة للتحقق من هويات جميع الركاب. كان على متنها زوجان رومانيان وإيان، وهو أجنبي؛ أما الباقون فكانوا فلسطينيين.
بعد التفتيش، واصلت الحافلة رحلتها. وصف إيان الطريق من القدس إلى بيت لحم بأنه "مذهل"، بشوارعه الطويلة المتعرجة التي تمر عبر الأنفاق والجسور، وتمتد على طول جبال يهودا. وكانت المناظر الطبيعية على جانبي الطريق خلابة أيضاً: تلال وعرة وقرى قاحلة.
بعد رحلة استغرقت أربعين دقيقة، وصلت السيارة إلى بيت لحم. كان انطباع إيان الأول أن "كل شيء كان في حالة يرثى لها"، من الطرق والمتاجر إلى الممرات. كانت القمامة والأعشاب الضارة منتشرة في كل مكان. والسيارات القديمة مهجورة في الشوارع.
نزل إيان من السيارة وكان يسير عندما اقترب منه سائق سيارة أجرة. طلب السائق 20 شيكلًا (5 دولارات أمريكية) ليقله إلى البلدة القديمة في بيت لحم، وهي موقع تراث عالمي لليونسكو يقع على قمة تل شديد الانحدار. عندما رفض السائح وانصرف، شتمه السائق وصاح قائلًا: "سأجعل حماس تختطفك!"
قال إيان: "بدأ قلبي يخفق بشدة"، وكان خائفًا لدرجة أنه شعر بنبضه في ذراعه. ثم فكّر إيان في خيارين: إما أن يكون الأمر مجرد تهديد، أو أنه سيحوّل التهديد إلى حقيقة. إذا سارت الأمور كما توقع، فلن يكون للعودة إلى الحافلة المتجهة إلى القدس أي جدوى. لذلك، قرر إيان المضي قدمًا وعدم السماح للتهديد بإجباره على التنازل والاستعانة بخدمات السائق.
ضاق الطريق المؤدي إلى قمة التل، ليقود إلى سلسلة من الدرجات الطويلة المصنوعة من الحجر الجيري الأبيض، والتي كانت تتلألأ ببريقٍ ساطع تحت أشعة الشمس. واصل إيان سيره حتى وجد نفسه وسط سوقٍ صاخب، حيث كان بائعو الفاكهة وصانعو الأحذية منهمكين في عرض بضائعهم. انتشرت رائحة الخبز الطازج في الأرجاء، ودوت أجراس الكنيسة من برجها.
أدرك إيان أنه الزائر الغربي الوحيد في السوق، فاستحوذ على اهتمام جميع السكان المحليين. تذمر بعض الباعة وطلبوا منه عدم التقاط صور لهم، بينما كان آخرون غير مبالين، ولم يسأله عن بلده سوى الأطفال الودودين.
انعطف السائح إلى زقاق مرصوف بالحصى، حيث تصطف متاجر الهدايا التذكارية المهجورة بوجوهٍ منهكة. "كيف لنا أن نعيش؟" تساءل أحد أصحاب المتاجر بحسرة. وقال آخر إنه لم يستقبل أي زبون منذ 7 أكتوبر 2023.
تقع كنيسة المهد على قمة التل، وهي المعلم الرئيسي في بيت لحم، وقد بنيت على الطراز الرومانسكي عام 565. المبنى محفوظ بشكل شبه كامل، مع ساحاته المليئة بالزهور.
ذكر موقع "Tourist Israel" ذات مرة أن مغارة المهد هي أكثر المواقع السياحية رواجاً في بيت لحم، حيث تصطف طوابير طويلة من الناس في انتظار زيارتها. ولا يستطيع أي مرشد سياحي ضمان الوقت المحدد الذي سيتمكن فيه من اصطحاب الزوار إلى داخل المغارة.
عندما زار إيان إسرائيل، لم يكن هناك سوى مجموعة صغيرة من السياح من الدول العربية وزوجين من أفريقيا. وقد انخفض عدد الزوار الدوليين إلى إسرائيل بنسبة 80% منذ بدء الحرب مع حماس. ومعظم الزوار الآن من المسيحيين.
عاد إيان إلى السوق ليشتري شطيرة بخمسة شواقل (أكثر من دولار واحد)، أي ما يقارب خُمس سعرها في إسرائيل، وتحدث مع شرطيين فلسطينيين. ذكر أن سائق سيارة أجرة هدده. قال الشرطيان إنها مجرد "مسألة شخصية" وأكدا له أن بيت لحم "آمنة".
قبل عودته إلى القدس، أراد إيان زيارة قبر راحيل، النبية وزوجة يعقوب، ثالث آباء بني إسرائيل. كان الطريق إلى القبر واسعًا وحارقًا جدًا لعدم وجود أشجار. وعلى جانبي الطريق كانت هناك متاجر يجلس فيها رجال في مجموعات يدخنون الغليون. عند وصوله، لم يتمكن إيان من الدخول لأنه كان محصورًا خلف جدار الضفة الغربية، وهو جدار خرساني يمتد لمئات الكيلومترات بنته تل أبيب.
طلب إيان سيارة أجرة لتُقله إلى موقف الحافلات. انطلق السائق مسرعًا في شوارع بيت لحم الضيقة وهو في حالة مزاجية سيئة، متذمرًا من الحرب. وبينما كانوا يسيرون على الطريق السريع باتجاه القدس، توقفت السيارة عند نقطة تفتيش عسكرية . كان على الجميع إبراز هوياتهم وتصاريح سفرهم إلى إسرائيل. تنفس إيان الصعداء لأن الرحلة انتهت بسلام.
يشير إيان إلى أنه إذا سأله أي شخص عن نصيحته بشأن السفر إلى بيت لحم، فسيكون جوابه "لا تذهب في هذا الوقت" لأن الصراع لا يزال محتدماً.
السل (بحسب صحيفة VnExpress)مصدر






تعليق (0)