نادرًا ما شهدت السياسة الأمريكية صعودًا سريعًا مثل صعود هاريس، لكن لا تزال هناك تساؤلات حول صفاتها القيادية إذا فازت في الانتخابات.
قامت هاريس بحملة انتخابية في قرية ليتل شوت بولاية ويسكونسن في الأول من نوفمبر - الصورة: رويترز
على الرغم من اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية في الخامس من نوفمبر، لا يزال المشهد الانتخابي متقاربًا بين المرشحين الرئاسيين، دونالد ترامب وكامالا هاريس. وقد كشف كلاهما عن برامجهما السياسية للناخبين. وتراهن المرشحة الديمقراطية ونائبة الرئيس كامالا هاريس على فرصتها لتصبح أول امرأة تشغل منصب رئيس الولايات المتحدة، بسياسات تقدمية وإن كانت مثيرة للجدل.
لا يزالون عالقين في ظل أسلافهم.
من حيث سجل المواجهات المباشرة، كان يُعتقد على نطاق واسع أن هاريس تتفوق في المناظرة الرئاسية الوحيدة بين المرشحين. ورغم الطبيعة المفاجئة للمناظرة وضيق وقت التحضير، اعتُبرت حملة هاريس ناجحة إلى حد كبير، إذ قدمت صورة جديدة وإيجابية لنفسها أمام الناخبين. مع ذلك، لم تستطع حتى أكثر الحملات إثارة للإعجاب إخفاء نقطة ضعفها الكامنة: لم تكن المرشحة الديمقراطية قد طبعت شخصيتها بعد في السياسات التي وعدت بها. في تحليلها للمرشحين الرئاسيين، أشارت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن رئاسة هاريس قد تُعتبر ولاية ثانية لجوزيف بايدن، أو حتى رابعة للرئيس السابق باراك أوباما. ومثل أوباما وبايدن، ستصبح هاريس "راكبة الأمواج" التالية على موجة السياسات التقدمية التي تجتاح الحزب الديمقراطي في القرن العشرين.
أظهر أوباما مهارات خطابية رائعة خلال تجمع انتخابي لهاريس في ولاية بنسلفانيا الحاسمة في 10 أكتوبر/تشرين الأول - صورة: وكالة فرانس برس
بحسب صحيفة واشنطن بوست، لم تُفصح هاريس بعدُ بشكلٍ كامل عن سياساتها الاقتصادية. وهي تُركّز على تعزيز اقتصادٍ مُتاحٍ للطبقة المتوسطة، وتُطلق عليه اسم "اقتصاد الفرص". ومن أهمّ ركائز سياستها تعزيز الرعاية الاجتماعية للمواطنين، لا سيما من خلال توسيع نطاق الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية (التأمين الصحي )، بالإضافة إلى تعهّدها بعدم رفع الضرائب على من يقلّ دخلهم السنوي عن 400 ألف دولار. كما تهدف إلى "إحياء" وتوسيع نطاق العديد من الإعفاءات الضريبية على الدخل الشخصي، بما في ذلك الإعفاءات الضريبية لآباء المواليد الجدد. مع ذلك، لم تُعلن هاريس بعدُ تفاصيل خطّتها لتحقيق هذه الأهداف. ومن المُرجّح أن تُواصل هاريس سياسة بايدن في تفضيل التجارة الحرة والمتعددة الأطراف، وتجنّب الإفراط في استخدام الرسوم الجمركية كما فعل ترامب. وقد تُمثّل الصين استثناءً نادرًا لهذه السياسة. فخلال سنواتهما الأربع في البيت الأبيض، فرض بايدن وهاريس رسومًا جمركية باهظة على الواردات الصينية، مثل السيارات الكهربائية والمعادن الثمينة. ومن المتوقّع أن تُواصل نائبة الرئيس الأمريكي هذه السياسة في حال انتخابها.
الوقوف جنباً إلى جنب مع الحلفاء التقليديين
التقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بنائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، 17 فبراير/شباط - صورة: وكالة فرانس برس
لم تحظَ السياسة الخارجية باهتمام كبير في إدارة بايدن-هاريس. فخلال فترة ولايتهما، شهدا الانسحاب الدموي للقوات الأمريكية من أفغانستان، والذي أسفر عن مقتل 13 جنديًا أمريكيًا وانهيار سريع للحكومة الموالية لأمريكا هناك. كما شهد العالم اندلاع اثنين من أخطر الصراعات في السنوات الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط، في حين تصاعدت التوترات في مضيق تايوان بشكل ملحوظ. ويُعتقد أن هذا يعود جزئيًا إلى النهج المتساهل الذي يتبعه الرئيس ونائبه الحاليان، والذي لا يُعد رادعًا كافيًا. ويخشى العديد من المحللين من أن افتقار هاريس للخبرة في التعامل مع قضايا السياسة الخارجية قد يشجع خصوم واشنطن، مثل روسيا والصين، على تبني مواقف أكثر حزمًا. ومع ذلك، من شبه المؤكد أن هاريس ستواصل تنفيذ سياسات بايدن الأمنية والخارجية. وقد صرحت بأنها ستواصل دعم أوكرانيا وتقديم المساعدة العسكرية لها في حال انتخابها رئيسة، وأكدت موقفها الداعم لإسرائيل في الشرق الأوسط. ولم تُحدد المرشحة الديمقراطية ما إذا كانت الولايات المتحدة، في ظل إدارتها، ستفرض شروطًا محددة على تل أبيب مقابل المساعدات العسكرية. ومن المتوقع أيضاً أن تظل العلاقة بين واشنطن وحلفائها المتبقين، بما في ذلك منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) واليابان وكوريا الجنوبية، مستقرة إذا أصبحت هاريس رئيسة.
استمرار موجة التطرف
هاريس تلتقط صورة مع الناخبين في ولاية بنسلفانيا في 27 أكتوبر - الصورة: وكالة فرانس برس
فيما يتعلق بالقضايا الداخلية الأخرى في الولايات المتحدة، أكدت نائبة الرئيس الأمريكي على موقفها التقدمي، الذي يتبناه الحزب الديمقراطي منذ سنوات عديدة. تدعم السيدة هاريس حقوق الإجهاض على وجه الخصوص، وحق المرأة في تقرير مصير جسدها بشكل عام، مؤكدةً التزامها بالنضال من أجل سن تشريعات فيدرالية من خلال الكونغرس. كما تدعو إلى تبني سياسات رائدة تتعلق بتغير المناخ، ولا سيما استمرار تطبيق قانون مكافحة التضخم الذي كان لها دور محوري في إقراره. يُعد هذا القانون البيئي الأكثر طموحًا في عهد إدارة السيد بايدن، إذ يوفر مئات المليارات من الدولارات لتمويل مبادرات البيت الأبيض في مجال الطاقة النظيفة والمتجددة. وفيما يخص قضية الهجرة غير الشرعية، تعهدت السيدة هاريس بمعالجتها. كان الحل الأهم الذي قدمته هو "إحياء" مشروع قانون مراقبة الحدود الذي سقط قبل أوانه بسبب معارضة ترامب في أوائل عام 2024. وعلى الصعيد التشريعي، وعدت هاريس بالسعي لتحقيق عدة أهداف إصلاحية، مثل إلغاء شرط الحصول على 60 صوتًا كحد أدنى لتمرير معظم مشاريع القوانين في مجلس الشيوخ، وتعديل لوائح الانتخابات لتسهيل التصويت عن بُعد... وعلى وجه الخصوص، ستسعى نائبة الرئيس الأمريكي إلى تحقيق طموحاتها في الإصلاح القضائي من خلال اقتراح تحديد فترات ولاية قضاة المحكمة العليا.
تعليق (0)